في بناء أي مجتمع حديث ومزدهر يتركز الحديث على قطبين رئيسيين: قطاع حكومي يضع السياسات ويضمن الاستقرار، وقطاع خاص يؤدي دور المحرك الاقتصادي الذي يصنع النمو. لكن ثمة ضلع ثالث لهذه المعادلة كثيراً ما يغيب عن الصورة؛ إنه القطاع الثالث الذي يكمل مثلث أي مسيرة وطنية، ويمنحه التوازن والاستدامة.
هذا القطاع، الذي يُعرف أيضاً بالقطاع غير الربحي أو مؤسسات النفع العام، تمثله المنظمات والمؤسسات والجمعيات التي لا تهدف إلى تحقيق الربح المادي، وإن كانت تسعى لتحقيق ربح أكثر أهمية وهو "الربح الاجتماعي". باختصار القطاع الثالث هو ضمير المجتمع وروحه النابضة.
هل يمكن الاستغناء عن القطاع الثالث؟
قد يعتقد البعض أن دور هذا القطاع ثانوي لكنه يمتلك قدرات فريدة تجعله شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه فهو:
1.قطاع مرن في وصوله إلى الناس - تمتاز مؤسسات القطاع الثالث بالمرونة والسرعة في الاستجابة للاحتياجات المجتمعية الطارئة، فهي تمتلك ثقة المجتمعات المحلية لأنها تعمل على الأرض، وتفهم أدق التفاصيل، وتتحدث لغة الناس وتتفاعل معهم بشكل مباشر.
2.حاضنة للابتكار الاجتماعي: إن الكثير من الحلول المبتكرة للتحديات الاجتماعية تولد في رحم القطاع الثالث. فهو بمثابة مختبر لتجربة أفكار جديدة ونماذج عمل غير تقليدية لمعالجة قضايا مثل الفقر، والبطالة، والتعليم، والصحة، والبيئة.
3.أساس رأس المال الاجتماعي: لا يقتصر دور هذا القطاع على تقديم الخدمات، بل يمتد إلى تقوية نسيج المجتمع. فهو المحرك الرئيسي للعمل التطوعي، والمساهم الأكبر في تعزيز التكافل والتعاون والثقة بين أفراد المجتمع.
النموذج الإماراتي: نقلة نوعية من الدعم إلى الشراكة الاستراتيجية
تدرك دولة الإمارات العربية المتحدة هذه الأهمية، وقد انتقلت في رؤيتها للقطاع الثالث من مجرد تقديم الدعم إلى اعتباره شريكاً استراتيجياً في تحقيق الأولويات الوطنية. وتتجلى هذه النظرة المستقبلية بوضوح في استراتيجية "وزارة تمكين المجتمع"، التي تهدف إلى "بناء مجتمع متماسك ومترابط من خلال تمكين أفراده، وتفعيل دور القطاع الثالث" من خلال توفير:
•منظومة متكاملة للتنظيم والترخيص: عبر تطوير أطر تنظيمية وإطلاق "منصة موحدة لمؤسسات القطاع الثالث"، تسهل الدولة عمل هذه المؤسسات وتضمن إدارتها بكفاءة وشفافية.
•بناء القدرات من خلال "مسرّع الأثر الاجتماعي": لا تكتفي الدولة بالدعم المالي، بل تقدم الدعم المعرفي والفني عبر برامج متخصصة تزود المؤسسات بالأدوات والتدريب اللازم لتعزيز قدراتها وتوسيع نطاق أثرها الإيجابي.
•تعزيز الشفافية والتعاون: من خلال "السجل الوطني للقطاع الثالث"، حيث يتم توحيد البيانات في منظومة متكاملة، مما يعزز الثقة ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون بين مختلف الجهات.
إن الهدف الرئيسي لهذه الاستراتيجية هو رفع مساهمة القطاع الثالث في مسيرة التمكين الاجتماعي والاقتصادي وزيادة فرص العمل الحقيقية في ذلك القطاع ليكون له دور في انتعاش القطاعات بمختلف مجالاتها.
خاتمة: مستقبل تشاركي ومزدهر
في عالم اليوم، لم يعد القطاع الثالث طرفاً هامشياً، إنه يقع في قلب معادلة التنمية والتمكين المستدامة. وهو الشريك الذي يضفي على النمو الاقتصادي بعداً إنسانياً، ويحول السياسات الحكومية إلى واقع ملموس في حياة الناس. إن رؤية دولة الإمارات في تمكين هذا القطاع ونسج شراكة حقيقية معه هي شهادة على فهم عميق لمتطلبات المستقبل، وتأكيد على أن المجتمعات الأكثر قوة وتماسكاً هي تلك التي تطلق العنان لقوة قطاعاتها الثلاثة مجتمعة.
لا يوجد تعليقات حالياً.
بحاجة لمساعدة؟
للمساعدة، برجاء التواصل مع: