اللغة العربية في قلب الرؤية الثقافية الإماراتية
18/12/2025 عام | سعادة مبارك الناخي وكيل وزارة الثقافة
9 0
اللغة العربية في قلب الرؤية الثقافية الإماراتية
سعادة مبارك الناخي وكيل وزارة الثقافة
في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفي العالم باللغة العربية، لغة الضاد التي حملت عبر القرون مشعل المعرفة والإبداع، وأسهمت في صياغة منجز إنساني وحضاري ثري، وشكّلت جسرًا ثقافيًا متينًا بين الأمم والحضارات. ولا يأتي هذا الاحتفاء بوصفه مناسبة رمزية فحسب، بل يمثل اعترافًا عالميًا بالدور المحوري للغة العربية في إثراء التراث الإنساني، وتعزيز الحوار بين الثقافات، ونقل العلوم والمعارف عبر العصور.
في دولة الإمارات، ننظر إلى اللغة العربية نظرةً تتجاوز كونها أداة للتواصل اليومي، لتكون وعاءً للهوية الوطنية، وجسرًا للتواصل الحضاري، ومنصةً للإبداع الثقافي والفكري، وركيزة أساسية من ركائز بناء المستقبل. فهي لغة تحمل قيمنا، وتعكس تاريخنا، وتواكب طموحاتنا التنموية والثقافية.
وانطلاقًا من هذه القناعة الراسخة، تضع وزارة الثقافة تعزيز اللغة العربية في صميم سياساتها واستراتيجياتها الثقافية، إيمانًا منها بأنها أولوية ومسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها الجهود الحكومية والمجتمعية والتعليمية. وتهدف هذه الجهود إلى ترسيخ حضور اللغة العربية في الحياة اليومية، وتعزيز استخدامها لغةً للإنتاج المعرفي والإبداعي، بما يضمن استدامتها وتطورها، ويعزز مكانتها في مختلف مجالات الحياة.
في هذا السياق، تعتمد الوزارة مقاربة شاملة لدعم اللغة العربية، تبدأ من التخطيط المبني على المعرفة، وتمتد لتشمل السياسات والتشريعات والمبادرات الميدانية. فقد أولت اهتمامًا خاصًا بإعداد الدراسات والتقارير المتخصصة التي تتناول واقع اللغة العربية ومستقبلها، وتسهم في تشخيص التحديات واستشراف الفرص.
وفي الإطار ذاته، أنهت الوزارة مؤخرًا دراسة جدوى إصدار قانون اللغة العربية، التي تهدف إلى دعم انتشار اللغة العربية وتعزيز استخدامها في كافة المجالات المؤثّرة والمتأثرة باللغة العربية، وكذلك تعزيزها في سياق التواصل اليومي لا سيما بين فئة الشباب، لا سيما بين فئة الشباب، بما يواكب التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.
وفي محور القراءة، تولي وزارة الثقافة اهتمامًا بالغًا بترسيخ عادة القراءة باللغة العربية، لما لها من أثر مباشر في تنمية المهارات اللغوية والفكرية، وبناء الوعي المعرفي. وتمثل ويمثل الشهر الوطني للقراءة أبرز المبادرات الوطنية التي اعتمدتها حكومة دولة الإمارات، وتشرف عليها وزارة الثقافة سنويًا، حيث تحولت إلى حراك ثقافي شامل تشارك فيه المؤسسات الحكومية والخاصة، والمكتبات، والمدارس، والمراكز الثقافية، في مشهد يعكس تضافر الجهود الوطنية لتعزيز ثقافة القراءة.
وتهدف هذه الفعاليات إلى جعل القراءة ممارسة مجتمعية يومية، وتسعى إلى تعميق علاقة الأفراد، بمختلف فئاتهم العمرية، باللغة العربية بوصفها لغة معرفة ومتعة وإبداع، وتسهم أيضًا في تشكيل الوعي، وتنمية الخيال، وتحفيز التفكير النقدي.
ومن منطلق إيماننا بأن بناء علاقة قوية ومستدامة مع اللغة يبدأ منذ الطفولة، أطلقت وزارة الثقافة المسابقات الثقافية بالتعاون مع المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، بهدف تنمية المهارات اللغوية لدى الأطفال، وتحفيزهم على القراءة والكتابة، واكتشاف قدراتهم الإبداعية في بيئة تفاعلية محفزة. وتسهم هذه المسابقات في غرس حب اللغة العربية في نفوس الأجيال الناشئة، وتعزيز ثقتهم في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بلغتهم الأم.
كما تولي الوزارة البيئة التعليمية اهتمامًا خاصًا، من خلال تطوير الإطار الوطني للأنشطة الثقافية في المدارس، الذي يهدف إلى دمج الثقافة واللغة العربية في الحياة المدرسية، عبر أنشطة صفية ولا صفية، ومسابقات قرائية وإبداعية، وبرامج ثقافية تدعم المناهج الدراسية. ويعزز هذا الإطار دور المدرسة بوصفها فضاءً ثقافيًا فاعلًا، ويعيد تقديم اللغة العربية للطلبة باعتبارها لغة تفكير وحوار وإبداع، من خلال مادة تعليمية تفاعلية حيوية.
وفي سياق متصل، تواصل وزارة الثقافة دعم النشر والإنتاج الثقافي باللغة العربية، من خلال البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، الذي دعم أكثر من 150 مبدعًا إماراتيًا، بالإضافة إلى برنامج منح جمعيات النفع العام الثقافية، التي تضطلع بدور محوري في نشر اللغة العربية وتعزيز استخدامها في المجتمع، وتوسيع دائرة التأثير الثقافي على المستويين المحلي والمجتمعي ومن هنا جاء مشروع سلسلة الإصدارات الثقافية المشتركة مع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الذي ركّز بشكل رئيس على الإصدارات باللغة العربية، وقد احتفينا في معرض الشارقة الدولي للكتاب هذا العام بإطلاق خمسة كتب ضمن المشروع.
ولا ينفصل دعم اللغة العربية عن مواكبة التحول الرقمي، إذ تدرك الوزارة أن مستقبل اللغة مرتبط بقدرتها على الحضور الفاعل في الفضاء الرقمي. ومن هنا، تشجع الوزارة على توظيف التقنيات الحديثة في إنتاج المحتوى العربي، وتطوير المنصات الرقمية، واستخدام الوسائط التفاعلية والابتكارية، بما يجعل اللغة العربية أكثر قربًا من الأجيال الجديدة، وأكثر قدرة على التعبير عن متطلبات العصر.
إن رؤيتنا في وزارة الثقافة تنطلق من قناعة راسخة بأن مستقبل اللغة العربية يقوم على ثلاثة مسارات متكاملة: تعليم نوعي يرسّخ المهارات اللغوية، وإنتاج ثقافي وإبداعي مستدام يُثري المحتوى العربي، وحضور رقمي فاعل يواكب التحولات التقنية. ومن خلال هذه المسارات، نعمل على تمكين اللغة العربية لتكون لغة علم وثقافة وإبداع، وقادرة على المنافسة في فضاءات المعرفة العالمية.
لا يوجد تعليقات حالياً.
بحاجة لمساعدة؟
للمساعدة، برجاء التواصل مع: