الذكاء الاصطناعي بين التوظيف والتنظيم: الدور المزدوج لهيئات أسواق رأس المال

02/02/2026 الاقتصاد والمال | أحمد سعيد النقبي

 11     0

أصبح الذكاء الاصطناعي يضطلع بدورٍ متزايد في تشكيل ملامح أسواق رأس المال، بدءاً من التداولات الخوارزمية وخدمات الاستشارة الآلـية، ووصولاً إلى نظـم الامتثال وإدارة المخاطر المؤتمتة. ومع تسارع وتيرة هذا التحوّل، باتت هيئات أسواق رأس المال تؤدي دوريْن متمايزيْن، هما: توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز مهام الرقابة التنظيمية، وحوكمة استخدام هذه التقنيات من قبل المشاركين في السوق والجهات الخاضعة لرقابتها.  

ولا يقتصر هذا الدور المزدوج على كونه مجرد فرصةً، وإنما واقعاً حتمياً لا يمكن تجنبه؛ فقد أصبحت الأسواق اليوم تتحرك بخطى متسارعة وتنطوي على تعقيدات عالية لم تعد معها نماذج الرقابة الدورية التقليدية والقائمة على القواعد الثابتة قادرة على مجاراتها. وفي الوقت ذاته، فإن التوسّع السريع في اعتماد الشركات الخاضعة للتنظيم لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يفرض على الهيئات الرقابية تحديات ومتطلبات جديدة، لاسيما فيما يتصل بفهم كيفية "توليد" القرارات المؤتمتة، وحوكمتها، وإخضاعها للرقابة.

وفي السياق الرقابي والتنظيمي، يُشير مصطلح "الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء" "Agentic AI" إلى نُظم ذكاء اصطناعي قادرة على تنفيذ مهام رقابية وإشرافية معرّفة ومحدّدة سلفاً بصورة مستقلة (مثل: المتابعة والرّصد، وتحديد الأولويات، وإصدار التّنبيهات) ضمن بيئة تحكمها قواعد وأطر تنظيمية صارمة وتحت إشراف بشري مستمر. ولا يعني ذلك إحلال هذه النظم محل الأحكام الرقابية، بل إعادة صياغة آليات إصدار هذه الأحكام. 

أما من المنظور التنظيمي والإشرافي، فإن أكثر التساؤلات المطروحة تعقيداً ليست تلك المتعلقة بالجوانب الفنية، وإنما المرتبطة بقضايا الحوكمة؛ مثل: متى يمكن الوثوق بمخرجات الذكاء الاصطناعي؟ ومتى ينبغي تجاهلها؟ وكيف يمكن إثبات سلامة الحكم الرقابي؟ وقد أصبحت مثل هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً مع انتقال نظم الذكاء الاصطناعي من مجرد كونها أدوات تحليلية إلى نظم أكـثر استقلالاً سلوكياً.

وبناءً عليه، لا تقتصر ممارسة المهام التنظيمية باستخدام الذكاء الاصطناعي على تبنّي التقنيات اللازمة فحسب، بل تستلزم إرساء أطر حوكمة داخلية متينة، وتوضيح مسارات المساءلة، وترسيخ فهم مؤسسي لأوجه القصور في توظيف هذه التقنيات. ومن هذا المنطلق، يجب التعامل مع المخرجات المؤتمتة بوصفها مدخلات تدعم عملية إصدار الأحكام التنظيمية والرقابية، لا قرارات تنفيذية نهائية. وعملياً، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في الوتيرة البطيئة التي تتبنّى بها الهيئات التنظيمية أدوات الذكاء الاصطناعي، وإنما في طريقة تبنيها لهذه التقنيات في ظل غياب مستوى كافٍ من التحديات الداخلية، والاختبارات الضرورية، والتشكيك والتحفظ الرقابي المهني.

وفي الوقت الذي تتطرق فيه المنتديات التنظيمية الدولية بشكل متزايد إلى دور الذكاء الاصطناعي في الأسواق المالية، تصبح المبادئ المشتركة المتعلقة بالشفافية والحوكمة والإشراف البشري عوامل أساسية للحفاظ على الثقة عبر الحدود وتعزيز التعاون الدولي في السياق الرقابي.


وفي نهاية المطاف، إن ممارسة المهام التنظيمية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى جانب تنظيم استخدام هذه التقنيات لا يعدُّ تناقضاً، بل يعكس تطور طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق الهيئات التنظيمية الحديثة العاملة في أسواق رقمية لا تقاس فيها المصداقية بسرعة تبني الأدوات الجديدة، وإنما بحسن حوكمتها وإدارتها.

أحمد سعيد النقبي

محلل مالي رئيسي

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.