ماذا بعد بكين؟ .. كيف تعزز الإمارات حضورها الثقافي عالميًا؟

06/07/2026 عام | سعادة مبارك الناخي وكيل وزارة الثقافة

 23     0

شكّلت مشاركة دولة الإمارات العربية المتحدة ضيفَ شرفٍ في معرض بكين الدولي للكتاب 2026 محطةً فارقةً في مسيرة حضورها الثقافي العالمي، إذ لم تقتصر على إبراز الثقافة الإماراتية في أحد أكبر معارض الكتاب الدولية، بل قدّمت نموذجًا متكاملًا للدبلوماسية الثقافية القائمة على المعرفة والإبداع وبناء جسور التواصل بين الشعوب، بما يعزز مكانة الدولة على الساحة الدولية. وقد عكست النتائج التي حققتها المشاركة حجم هذا النجاح. فخلال خمسة أيام، استقطب جناح «البيت الإماراتي» أكثر من 300 ألف زائر، وشهد تنظيم نحو 140 فعالية ثقافية وفكرية وفنية وتراثية بمشاركة 32 جهة ومؤسسة إماراتية، إلى جانب عرض أكثر من 460 إصدارًا إماراتيًا أمام جمهور واسع من المهتمين بالثقافة والنشر وصناعة الكتاب. وجاء ذلك ضمن معرض شارك فيه أكثر من 1700 عارض من 82 دولة، ما يعكس أهمية المشاركة الإماراتية في واحدة من أبرز المنصات الثقافية الدولية. لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في دلالتها الإحصائية فحسب، بل فيما تعكسه من قدرة الثقافة الإماراتية على الوصول إلى جمهور عالمي متنوع، وإثارة اهتمام متزايد بالتجربة الثقافية التي بنتها الدولة خلال العقود الماضية. فالإقبال الكبير على الجناح الإماراتي والفعاليات المصاحبة له يؤكد أن العالم بات أكثر اهتمامًا بالتعرف إلى النموذج الإماراتي الذي نجح في تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الوطنية والانفتاح على الثقافات المختلفة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ماذا بعد بكين؟ الإجابة تكمن في تحويل الزخم الذي حققته المشاركة إلى مبادرات وشراكات مستدامة تتجاوز حدود الحدث نفسه. فالنجاح الحقيقي لأي مشاركة دولية لا يُقاس بما يحدث أثناء الفعالية فحسب، بل بما ينتج عنها من فرص تعاون ومشروعات طويلة الأمد تسهم في تعزيز المكانة الثقافية للدولة عالميًا. وفي هذا السياق، يمكن القول إن معرض بكين مثّل محطة مهمة لتعزيز الحضور الإماراتي في آسيا، وخصوصًا في الصين التي تُعد واحدة من أكبر أسواق النشر وصناعة المحتوى في العالم. كما تأتي هذه المشاركة في إطار العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين دولة الإمارات وجمهورية الصين الشعبية، والتي تشهد تطورًا متسارعًا في مختلف المجالات، بما فيها الثقافة والمعرفة والصناعات الإبداعية. وتبرز الترجمة كأحد أهم المسارات التي يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة. فكل كتاب إماراتي يُترجم إلى اللغة الصينية يفتح نافذة جديدة للتعرف إلى المجتمع الإماراتي وتجربته التنموية وقيمه الثقافية. كما أن توسيع برامج الترجمة المتبادلة بين العربية والصينية يسهم في تعزيز الحوار الحضاري وتبادل المعرفة وترسيخ التفاهم الثقافي بين البلدين. كما تمثل صناعة النشر مجالاً واعدًا لتعميق نتائج المشاركة. فقد أتاحت فعاليات المعرض ومنتدى بكين الدولي للنشر فرصًا للتواصل بين الناشرين الإماراتيين ونظرائهم الصينيين والدوليين، الأمر الذي يمهد لتطوير مشروعات نشر مشتركة، وتبادل حقوق الترجمة، وتوسيع انتشار الكتاب الإماراتي في أسواق جديدة خارج المنطقة العربية. وفي الوقت نفسه، لم يعد التأثير الثقافي العالمي مرتبطًا بالكتاب وحده. فالعالم اليوم يتفاعل مع الثقافات من خلال الفنون البصرية والموسيقى والسينما والمحتوى الرقمي والألعاب الإلكترونية والمنتجات الإبداعية المتنوعة. لذلك فإن تعزيز الحضور الإماراتي عالميًا يتطلب مواصلة الاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية بوصفها أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي، مع تمكين المبدعين الإماراتيين من الوصول إلى المنصات والأسواق الدولية وتوسيع حضورهم في مختلف مجالات الإنتاج الثقافي. وقد أظهرت المشاركة في بكين أن الإمارات تمتلك مقومات قوية في هذا المجال، إذ قدمت صورة متكاملة عن منظومتها الثقافية التي تجمع بين التراث والأدب والفنون والابتكار. كما عرضت المؤسسات الوطنية المشاركة مجموعة من المبادرات والمشروعات الثقافية النوعية، بما أسهم في إبراز التنوع والحيوية اللذين يتميز بهما المشهد الثقافي الإماراتي. لقد أثبتت تجربة معرض بكين أن الثقافة الإماراتية لم تعد مجرد تجربة محلية ناجحة، بل أصبحت قادرة على الحضور والتأثير في المحافل الدولية الكبرى. كما أكدت أن الاستثمار المستمر في الثقافة والمعرفة والإبداع يمثل استثمارًا في القوة الناعمة للدولة، وفي قدرتها على بناء علاقات إنسانية وحضارية مستدامة مع مختلف شعوب العالم.

تعليقاتكم

لا يوجد تعليقات حالياً.