من التأهيل التقليدي إلى الترخيص المهني: الرياضة الإماراتية تعيد بناء رأس المال البشري الرياضي في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
18/06/2026 الصحة واللياقة البدنية | الــدكتــور أحــــمــد صـــلاح العــامـــري - مدير التدريب والتطور في مركز الإمارات للعلوم الرياضية والطب الرياضي
22 7
في منتصف العام 2020، كَتبت مادة كانت تنطلق من سؤال مفاده: كيف نؤهّل الإنسان الرياضي ليصبح قادراً على صناعة الإنجاز، لا الاكتفاء بإدارته؟ في ذلك الوقت كانت التجربة الإماراتية تُراهن على التدريب بوصفه المدخل الأكثر واقعية لتطوير القطاع، وتحديداً عبر برامج مركز الإمارات للعلوم الرياضية والطب الرياضي (مركز إعداد القادة سابقاً) الذي قدّم نموذجاً تراكمياً في بناء المهارات، حيث أشارت المادة إلى أن حصيلة ما قُدّم خلال ما يقارب ربع قرن وصلت إلى الآلاف المتدربين والمشاركين ضمن الأنشطة التدريبية المتخصصة مثل الدورات والورش والندوات والتجمعات الرياضية.
هذه الأعداد من المستفيدين لم تكن مجرد إنجاز إداري، بل كانت تعبيراً عن قناعة متقدمة بأن الرياضة لا تُبنى بالموهبة وحدها، بل بمنظومة بشرية تُدار بوعي وتُحدَّث باستمرار. ومع ذلك، كانت المادة تضع يدها على التحدي الأهم: هل التدريب المتكرر كافٍ ليصبح هناك مسار مهني واضح، ونظام جودة، وتراكم أكاديمي يدعم الاختصاصات ويجعل من المهن الرياضية مجالاً جاذباً للكفاءات الوطنية؟
اليوم تغيّرت الصورة بشكل كلي، فدولة الإمارات دخلت مرحلة جديدة عنوانها التنظيم الشامل عبر الاستراتيجية الوطنية للرياضة 2031 التي أقرّها مجلس الوزراء، ووضعت أهدافاً كمية صريحة مثل رفع نسبة ممارسة الرياضة إلى 75% من السكان، وتنفيذ مبادرات تشمل تطوير الكوادر، واكتشاف المواهب في المدارس، وتحديث منهجيات التربية الرياضية والتشريعات المنظمة للقطاع. هذه النقلة تجعل تأهيل الإنسان الرياضي جزءاً من مشروع دولة لا مجرد مبادرات متناثرة.
والأهم أن ملف التأهيل لم يعد مرتبطاً بالدورات فقط، بل بدأ يأخذ شكلاً قانونياً ومهنياً مع صدور القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2023 بشأن الرياضة وما تبعه من لوائح تنفيذية تنظّم قطاع المهن الرياضية وتضبط العلاقة بين التأهيل والترخيص. ففي اللائحة التنفيذية تظهر لأول مرة مفاهيم مثل المهن الرياضية والاعتماد المهني والرخصة باعتبارها أدوات رسمية تمنح الممارسة صفة احترافية ومعياراً واضحاً للجودة والالتزام، إلى جانب العمل على استحداث وتحديث اللوائح والقوانين الداعمة لهذا المبدأ.
هنا تتغير قواعد اللعبة إذ لم يعد المدرب أو الإداري أو المختص الرياضي مطالباً فقط بحضور برنامج تدريبي، بل بأن يثبت كفاءته ضمن إطار مهني قابل للقياس والتجديد، ما يُعيد تعريف رأس المال البشري الرياضي من كونه عدداً كبيراً من المتدربين إلى شبكة محترفين يحملون تراخيص، وتحديثات مستمرة، ومعايير ممارسة، واضحة.
ويحدث هذا التحول بالتوازي مع موجة أخرى تتمثل بالذكاء الاصطناعي والتعليم الإلكتروني؛ فاستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي تنظر إليه كأداة لتطوير الأداء وبناء منظومة رقمية قادرة على تقديم حلول أكثر سرعة وكفاءة. وفي الرياضة يعني ذلك أن التأهيل القادم لن يشبه السابق: منصات التعلم الإلكتروني ستتحول إلى قاعدة تشغيل، والاختبارات الرقمية ستقيس الكفايات، والتحليل الذكي سيصبح جزءاً من تدريب المدربين.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي يصبح ممكناً تصميم مسارات تعليمية شخصية وربط التدريب بالبيانات وتوجيه التطوير نحو مهارات المستقبل مثل تحليل الأداء وتخطيط المواهب والحوكمة الرقمية.
الخلاصة أن الرياضة الإماراتية تقف اليوم على مفترق طرق إيجابي يجمع خبرة تدريبية طويلة، واستراتيجية وطنية واضحة، وتشريعاً حديثاً، وتحولاً رقمياً يقوده الذكاء الاصطناعي، بما يضع المؤسسات أمام تحدي تحويل برامج التأهيل من نشاطات كثيرة إلى أثر عميق ومن شهادات تدريب إلى رخص مهنة ومن خبرات فردية إلى منظومة ذكية تُنتج الإنجاز وتبني مجتمعاً أكثر صحة واستدامة.
بقــلم/ الــدكتــور أحــــمــد صـــلاح العــامـــري مدير التدريب والتطور في مركز الإمارات للعلوم الرياضية والطب الرياضي
7 Comments
Anonymous Commented on 24/06/2026
مقال واقعي يبشر برؤية جديدة تتجلى بتطوير الكوادر الرياضية الفنية عمليا مع إمكانية القياس والتقويم عبر طرق علمية رصينة ..جهود مباركة ان شاءالله
Anonymous Commented on 24/06/2026
مقال رائع تسلم ايدك دكتور